!أمي وأنا

الاحتلال …الاحتلال يمكن أن  يكون خارجي أو داخلي.

والدتي في منتصف القرن العشرين قاومت الاحتلال الخارجي، وأنا في القرن الحادي والعشرين قاومت الاحتلال الداخلي!

اسمحوا لي أن أعود بكم إلى عام 1956، فهو عام لا يمكن نسيانه في تاريخ مصر!

شهر يوليو … أمم الرئيس جمال عبد الناصر قناة السويس، التي كانت وما تزل أهم معبر مائي في العالم.

شهر أكتوبر… 3 دول أعلنت الحرب على مصر (فرنسا، انجلترا و إسرائيل) وهذا بهدف إعادة سيطرتهم على قناه السويس،

إنهاء حكم عبد الناصر و… احتلال مصر!

مئات الدبابات والطيارات والمدافع و السفن والغواصات والطوربيدات وسلاح المظلات.

3 جيوش ل 3 دول من أقوى دول العالم تحارب جيش دولة واحدة!

لكن تلك الدول لم تع أن الجيش المصري ليس جيش واحد وإنما جيشين! الجيش والشعب المصري!

هاجم العدوان الثلاثي القاهرة و الإسكندرية وسيناء ومدن القناه.

ٌقتل مئات من المصريين وأصيب ألوف واحترقت البيوت الخشب الأثرية الجميلة في بورسعيد والإسماعيلية. 

الجيش المصري لم يعد قادرا على السيطرة على الوضع لإنه كان يحارب في اكتر من جبهه.

وهنا… قرر الشعب المصري أن يكون الجيش الثاني!

نظم أهل مدن قناه السويس أنفسهم وكوّنوا جيش شعبي من الرجال والسيدات لصد العدوان الثلاثي القادم من جهة بورسعيد.

و كانت والدتي من أوائل الفتيات اللاتي انضممن إلى الجيش الشعبي بالرغْم من صغر سنها.

حملت السلاح و حاربت بكل شجاعة العدوان، أسفطت عدد من المظلات واشتبكت جسديًا مع بعض الجنود وهزمتهم.

صارت والدتي سريعًا قائدة، فكونت كتيبة من سيدات المنازل في بورسعيد.

مهمة كل امرأة أن تخرج إلى الشارع وهي مسلحة “بالحلل”! فإذا ما حصلت على أحد من جنود العدو،

ضربته ضربا مبرحًا “بالصواني والحلل” ومن هنا ولد… “جيش الحلل! “

٩ أيام…٩ أيام فقط!  هي المدة التي احتجتها المقاومة الشعبية ببورسعيد لطرد 3 جيوش من أقوى جيوش  العالم في ملحمة شعبية عظيمة غيرت خريطة الشرق الأوسط وميزان القُوَى في العالم!

وكما نقول في مصر…”ابن الوز عوام!”

فكما شاركت والدتي  في الدفاع عن وطنها ضد الاحتلال الخارجي، أنا أيضا – ولي الشرف – شاركت في الدفاع عن وطني

لكن هذه المرّة لم يكن الاحتلال خارجي إنما كان للأسف… داخلي !

عام ٢٠١١ كنت في بدايات شبابي وقد انضممت وقتها إلى للمعارضة الشعبية (حركة كفاية) ضد الاحتلال الداخلي،

الذي كان يمثله مبارك ونظامه العسكري.

نظام فاسد استمر 30 عام ينهب فيه خير مصر، خرب الصحة والتعليم، اعتقل المعارضين، جوّع الشعب في بلد كانت في يوم من الأيام  سلّة الخبز للعالم.

أهان الشعب واحتقره وتعامل معه كأنه من الرعايا وليس صاحب الأرض!

كثيرون كانوا خائفين حيث إن شرطته كانت فعلًا شرسة!

لكن.…لكل خوف نهاية ولكل ظالم نهاية

٢٥ يناير ٢٠١١… تاريخ مكتوب بالذهب فيي قلوب المصريين، تاريخ بداية الثورة المصرية.

تجمّع مئات الناس في ميدان التحرير بالقاهرة وأنا واحدة منهم، هتفنا ضد الشرطة وعنفها وفسادها

وطالبنا بإعادة هيكلة جهاز الشرطة.

الساعة الواحدة فجرا…

 دخلت قوات الشرطة لإخلاء الميدان بالغاز والرصاص والعصيان…كالعادة!

هرب كل المتظاهرين لكني لم ألحق، فاختبأت في محطة مترو أنفاق التحرير مع مجموعة صغيرة من الشباب حتى الرابعة فجرا.

كنا جالسين على السلالم صامتين حتى لا تسمعنا الشرطة وتقبض علينا…

بالصدفة رآنا أحد جنود الأمن المركزي و ساعدنا على الهرب.

28 يناير 2011  قررت أنا و أختي الانضمام للمتظاهرين  في الجيزة، وكانت الخُطَّة أننا نصلي صلاة الجمعة مع بقية المتظاهرين ثم نسير إلى ميدان التحرير وهي مسافة بعيدة جدا.

وصلنا الجيزة … كانت قوات الشرطة متواجدة بأعداد كبيرة بعرباتهم ومدرعاتهم وجنودهم وأسلحتهم

وكأنهم سيحاربون العدوان الثلاثي وليس مجموعة من المصريين العٌزّل تصلي صلاة الجمعة!

بدأنا الصلاة…الله أكبر… ركعنا  أول ركعة ونحن ندعو لمصر بأن تعود لنا، ندعو بالعيش و الحرية والكرامة الإنسانية.

وقبل أن  نرفع رؤسنا، وجدنا دشا من الماء البارد على رؤوسنا، انتفضنا طبعاََ ووقفنا، وجدنا الشرطة قد أحاطتنا من كل جانب و قد فتحت علينا خراطيم المياه الباردة… مياه باردة في الشتاء! 

 الشرطة بدأت بضربنا بالرصاص المطاطي والغاز مسيل الدموع فجرينا، ولكن وللعجب لم نجر تلك المرة منهم بل إليهم! 

كان مشهد غريب جدا و كأنه أحد أفلام هوليود، ناس لا تحمل سلاح تجري خلف جنود مسلحة! لقد كان حقا مشهد كوميدي.

ولإن نظام مبارك كان نظام حكم غبي فقد قرر أن يعطّل الإنترنت في هذا اليوم فلا يستطع المتظاهرين التواصل والتجمع. 

فمَا الذي حدث؟ حدث أن المواطنين العاديين الذين لم يثوروا يومًا وهم حامدين الله على نعمة الاستقرار، قد نزلوا  إلى الشوارع كفضول منهم لمعرفة أسباب توقف الإنترنت و زيارة أهلهم للاطمئنان عليهم.

وبالطبع عندما رأننا انضموا إلينا و بالتالي أصبحت أعدادنا في تزايد مستمر حتى صارت بالملايين!

وبدل ما كنا نهتف ضد وزارة الداخلية فقط، أصبحنا  نهتف أيضا ضد مبارك.

وبعد ما وصلنا الميدان  بدأت المعركة الحقيقية، الشعب في جهة، والشرطة والقناصة “والبلطجية” في الجهة الأخرى.

أول تلاث أيام كانت حرب شوارع في كل محافظات مصر واشتباكات عنيفة بيننا والشرطة.

وللمرة الثانية يثبت أهالي مدن قناه السويس، انهم أقوي جيش شعبي في مصر!

بعدها صارت هناك تيمة لكل عدّة أيام…

فتارة تأتي البلطجية وتقذفنا بالحجارة والزجاجات الفارغة كي نترك الميدان، و تارة يهاجمننا بالخيول والجمال كي نخاف، وتارة تقوم القناصة من فوق أسطح المباني باصطياد بعضنا وقتله، وتارة ينشروا إشاعات أننا عملاء ونتقاضى أموالا من جهات أجنبية لهدم البلد، وتارة يقولون أننا نعمل جنس جماعي بالخيام (ربما يكون هذا أحد أسباب زيادة الأعداد!) وتارة يمنعون وصول أي أكل أو شرب إلى داخل ميدان التحرير. 

وأثناء تلك الحروب كوّنت لجنتين أحدهما سميتها (لجنة وعي الثورة الشعبية) وهي متخصصة لدحض كل الإشاعات وأخرى سميتها (لقمة عيش) وهدفها جمع كل ما نستطيعه من طعام و شراب من سكان ميدان التحرير وتوزيعه على الثوار و بالطبع كان قليل جدا. 

18 يوم…18 يوم مروا علينا كأنهم 18سنة…

رَصاص وغاز وجوع وبرد ومطر وحرب نفسية ودم كثيررر…

مئات قٌتلوا وألوف أصيبوا وشباب في ربيع عمرهم فقدوا أعينهم بسبب القناصة! 

18 يوم فقط، هي المدة التي احتجها الشعب المصري لخلع مبارك في ملحمة شعبية عظيمة أبهرت العالم!

وانتصر الشعب في الجولة الأولى لكن ما زالت هناك جولات كثيرة…

ما تزال الثورة مستمرة حتى تحقيق أهدافها من عيش وحرية وكرامة إنسانية.

رانيا رفعت