لقائي مع أصدقائي النازيين الجدد

لقائي مع أصدقائي النازيين الجدد

درجة الحرارة قد قاربت الصفر بينما كنت أجلس على سلالم أحد المباني ببرلين بانتظار بعض الأصدقاء، والذين عادة ما يتأخرون.

مجموعة من الشباب الألماني طوال القامة، مفتولي العضلات، من أصحاب البشرة البيضاء و الشعرالأشقر،كانوا واقفين على مقربة مني يتحدثون.

مرت سيدة داكنة البشرة بجوارهم، نظروا لها بسخرية وقال أحدهم” إنني حقا سأصاب بالرعب إن لمستني ” ثم أخذوا يتضاحكون…

مرت دقائق حتى لاحظ أحدهم وجودي، فابتسم لي بود ثم اقترب ليلقي عليّ التحية و يخبرني أني جميلة  -كبداية للتعارف- ضحكت وقلت “ولكني أفريقية! “

انضم بقية الشباب إلينا، وبعد أن عرفوا أني مصرية، بدأ على الفور حوار سياسي شيق عما فعله

“ترامب” من تحريض لاقتحام الكونجرس.

أعربوا عن سعادتهم و إعجابهم بما فعله ترامب وقالوا عنه بطل وطني. قلت لهم، ولكن ما فعله ضد القانون و يهدم مباديء الديمقراطية و المتمثلة في احترام نتائج الانتخابات.

 سخر أحدهم مما قلت ومن الديمقراطية، بينما ادعى آخر أن فوز بايدن تم بالتزوير، وأضاف آخرأن فوز انجيلا ميركل نفسه حدث بالتزوير!

ضحكت وقلت ساخرة” إذن، فإن الانتخابات بالدول العربية هي الأكثر نزاهة” فلم يردوا …

استمر الحوار بيننا فترة، والطقس يزداد برودة و أصدقائي لا يأتون، فاقترح أحدهم أن نكمل الحوار مع فنجان قهوة ساخن وبعض الساندوتشات في مقرهم.

رحبت بالاقتراح وكلمت أصدقائي للقاء في يوم آخر ،إذ وجدتها فرصة عظيمة لتبادل الحوار مع أشخاص يبعدون عني ألاف الأميال في التفكير والرؤية. ولم أكن اعرف بعد أنهم نازيين!

دخلت مقرهم والذي بدا أنه يحتاج إلي عملية نظافة عاجلة أو ربما تدمير وإعادة بناء!

مجموعة من الآلات الرياضية متناثرة بكل مكان، من بينها جزء من شجرة مقطوعة مثبت بها مسامير من الجانبين، علمت منهم أنهم يحملنها في تمارينهم! تلك الشجرة التي يلعبون بها، لم أستطع تحريكها من مكانها سنتيمترا واحدا!!

جلسنا، و قد قام أحدهم بإعداد القهوة بينما اقترب أحدهم مني بلطف قائلا” أليس من الأفضل أن نتحدث الألمانية بدل الانجليزية؟” وافقت بابتسامة.

اقترحت من أجل التعارف الحقيقي بين الثقافتين أن نشاهد بعض من الفن المصري و الفن الألماني في التلفاز. أعجبوا بالفكرة، فأعددنا المكان…

اخترت حفل أغنية “قارئة الفنجان” للفنان عبد الحليم حافظ” مع وجود ترجمة.

كانوا مبهورين بالكلمات و الألحان و الأداء و الجمهور، وقد لاحظت أن عيونهم قد بدأت تدب فيها الحياه بعد أن كانت مجرد بلورات زجاجية ملونة.

وقف أحدهم بحماس و ادّعى أن الجو حار، فانتزع قميصه  وأخذ يسير أمامي نصف عاري!

رغم أني من هواة الطراز الكلاسيكي في الرجال، إلا أني لا أستطيع إنكار إعجابي بجسده، فإن كل عضلة مرسومة بإبداع و لها شخصية مستقلة. لقد انبهرت حقا من هذا التشريح العضلي، ووجدتني أفكر في المدرسة وحصة الأحياء..كم سيكون رائعا إن شرحوا للطلاب التكوين العضلي للإنسان على هذا الجسد البديع بدلا من الصور!

لا اعرف إن كان صديقي نصف العاري قد أراد إغرائي أم إخافتي، ولكن… في جميعالأحوال، أنا أشكره على هذا العرض الشيق!

أثناء مشاهدتهم للأغنية باستمتاع، ارتطمت قدمي بشيء أسفل المقعد، مددت يدي و سحبته،فإذا به صندوق بداخله… مسدس!!

اختفت أنفاسي للحظات بينما ظلت عيني مثبتة على المسدس الكبير لفترة…

نظر أحدهم إلي و قال بهدوء” لا تخافي، إنه مجرد مسدس صوت” أضاف آخر” تصوري أن الشرطة اقتحمتّ المكان من أجل هذا المسدس!؟ لقد أرغمننا أن نعطيهم المسدس” ثم ضحك ساخرا” لكنهم لم يعرفوا أن لدينا آخر.”

ابتلعت ريقي بصعوبة وأن أهمس لنفسي…لماذا تقتحم الشرطة المكان مادام مجرد مسدس صوت!؟

وضعت الصندوق أسفل المقعد ودفعته بقوة إلى العمق.

أخذوا يتلون قصصا عن مضايقات الشرطة لهم و للألمان في مقابل تعاطفها مع الأجانب

وبذكر الشرطة، فقد فتٌحت شهية أصدقائي لذكر كل جرائم العرب بألمانيا من اغتصاب وتحرش بالألمانيات، وقد تعالت أصواتهم غاضبة من الأحكام “التافهة” التي حكمتها المحكمة عليهم، مثل 8أعوام سجن!

لم أنفي جرائم الرجال العرب و لكني لفت نظرهم أن هناك جرائم من الألمان في حق العرب أيضا، مثل حرق منازلهم وقتلهم…إلخ

لم يبدوا أنهم رأوها كجرائم، و إنما رأوا أنها نوع من الدفاع عن النفس أمام المحتلين العرب”كماوصفوهم”و أخذ كل منهم يسرد معاناته بسبب العرب ،فمنهم من قال أنه وجد صعوبة شديدة في إيجاد شقة للسكن بسبب كثرة العرب و تكاثرهم اللانهائي، وآخر أعرب عن صعوبة الحصول على عمل بسبب المنافسة الشديدة، لهذا يأخذ بدل بطالة من الحكومة والتي تدفع له أيضا إيجارشقته. ومن الجدير بالذكر أنهم جميعا لم يكملوا تعليمهم، و حاصلين على الإعدادية فقط.

لم أرغب في تصعيد حّدّة النقاش، فأحجامهم ترغم الشخص على التحكم بأعصابه!

أخيرا، اقترح أحدهم أن نلعب “بلاي ستيشن” و قد لاقى الاقتراح ترحيب من الجميع.

اقترحت أن أشاهدهم أولا حتى أفهم اللعبة ثم أشارك، وافقوا و بدأوا اللعب…

 يا لها من لعبة مقرفة مليئة بالعنف و الدم. كانوا يقتلون فيها بوحشية حتى أنهم قتلوا سيدةترتدي “مايوه بيكيني” وقالوا، لإنها عاهرة!

حاولت أشغل نفسي عن هذا العنف، فرحت  أبحث بين الأوراق على ورقة خالية كي أكتب لهم أفلام عر بي مترجمة، فربما تريهم جانب آخر من ثقافتنا لم يروه بعد.

ارتطمت يدي بورقة جمدت الدم في عروقي و فجرت ضبابا كثيفا أخذ ينتشر بروحي، بينما

تسمرت عيني  أمام ما رأت… فقد كان مرسوم بالورقة صلًيب معًقوف و بجواره قلب مكتوب بداخله” أنا أحبك”!

وبعد أن استجمعت نفسي و أنفاسي سألتهم بهدوء” هل أنتم نازيين”؟ نظروا جميعا  إليّ بذهول، فأرتهم الورقة…

مرت فترة طويلة نوعا ما من الصمت حتى أجاب أحدهم” لا!”كررت سؤالي بحسم ” هل أنتم نازيين”؟

قفز أحدهم من مكانه غاضبا وهو يصيح” ماذا تقصدين بالنازيين؟ ولماذا يتهمنا البعض بالنازية؟ ألأننا نحب بلدنا ولا نريد أن يحتلها آخرون؟ إذا كان الأمر كذلك، فنعم، نحن نازيين!”

أجبته بهدوء..لم يحتل أحد بلدكم، بل أنتم من احتللتم العالم و قتلتم الملايين بسبب جنون العظمةالذي أصابكم.

ساد صمت ارتعش له قلبي…

استأذنت في الرحيل، لم يمنعني أحد و لكنهم قرروا أن يأتوا معي حتى محطة الأتوبيس كي نكمل نقاشنا… لم أجرؤ على الاعتراض.

أثناء طريقنا إلى المحطة حاولت تجنب الحديث، إلا أن أحدهم أوقفني وقال، نحن لسن أشرار،إنما تعرضنا لحياه قاسية! ودون سابق إنذار أخذ كل منهم يحكي لي قصته…

فروى أحدهم أنه كان طفل لطيف ومهذب إلا أنه تعرض لتنمر من العرب و الأتراك بمدرسته، فكانوا يوقفنه ليسخروا منه ويصيحون فيه” إلى من تنظر يا هذا؟” فكان يجيب مرتعشا و عينه في الأرض”لا لأحد…”

نظر الراوي إليّ وصاح غاضبا ” الآن، لا يجرؤ أحد أن يسألني هذا السؤال، فأنا قوي و أستطيع تحطيم رأس أيا منهم!” ثم صمت وأدار رأسه ليخفي عني روحه المهزومة.

وقال آخر أن والده قد انتحر وهو طفل، فتزوجت أمه بآخر غير ألماني، وأكمل…

“لقد كان لطيف معي، ولكنه ليس أبي و لا يحق له النوم مع أمي، لا أمان للنساء!”

بينما حكى لي آخر بغضب عن سنواته الخمس بالسجن، وكيف قتًلت روحه تدريجيا هناك رغم النشاطات و الرياضات الموجودة به، بل والاحترام أيضا للمساجين. ثم تعرّفّ على سجين باكستاني أقنعه بدخول الإسلام، فاعتنقه وشعر براحة كبيرة، ولكن، و بعد عام تركه.

وهنا …تركه أيضا كل أصدقائه المسلمين، تجنبنه واحتقرنه و ضايقنه.

وهنا بدأت عينا الشاب تلمع بشيء كالدموع…

شعرت بالشفقة الشديدة على الجميع، فأخذت أواسيهم و أربت على رؤوسهم وأكتافهم الضخمة حتى ابتسموا و شكرنني على تعاطفي.

وصلنا إلى المحطة… طلب أحدهم رقم تليفوني، رفضت.

سألني بعنف”هل مازلتِ ترينا نازيين؟ “أجبته بهدوء” أولستم كذلك؟”

وكأن جٌملتي سلك كهربائي عارٍ صعقهم، فإذا بأحدهم  يركل بجنون عمود حديد بساقه، بينما حاول آخر  تكسير كابينة المحطة والتي فر منها  الناس فورا، و اعتبر آخر أن لائحة مواعيد الموقف والمثبتة على عمود حديدي ثقيل، هي عدو ضخم، فإذا به يسدد له اللكمات بكل قوته حتى بدأت الدماء تتناثر عليه، فصرخ مهتاجا وأخذ يهزه بعنف شديد حتى انتزعه من مكانه!!

كنت أشاهد هياجهم الوحشي وكأني أشاهد أحد أفلام العنف الأميركية.

لم أجد بد سوى أن أصرخ فيهم بعنف حتى يتوقفوا عن عبثهم الجنوني، وفعلا توقفوا وقد لوثت الدماء ملابسهم وصارت أيديهم و أرجلهم في حال يرثى لها!

أحضرت زجاجات ماء ومناديل وأربطة و أخذت أنظف لهم جروحهم…كانوا مستسلمين تمامًا ليدي الصغيرة التي تحيطهم بالرعاية بينما كانت وجوههم في الأرض كأطفال مذنبين.

اعتذروا لي بصدق، ولم أقبل اعتذارهم…

 وقبل أن يغضب أحدهم لرفضي قبول اعتذارهم، إذ أصابتني أنا نوبة غضب، فأخذت أصيح فيهم  قائلة” من تظنون أنفسكم كي تفزعوا الناس هكذا؟ أنتم لا تحترمون أحد ولا تحترمون قانون بلدكم، أنتم لا تستحقون أن تعيشوا في هذا البلد! إن لديكم دولة من أفضل دول العالم ،فماذا فعلتم لها، ترتكبون الجرائم وترفضون العمل ثم تلومون العرب! تعيشون دور الضحية و تبررون حقدكم وكرهكم نحو الآخرين، لديكم جنون عظمة ومرض الاستحقاق! أنتم فارغي الرأس ،غلاظ القلب، أنتم مجرد نازيين مجرمين!

وقبل أن يفتح احدهم فمه، أكملت بحسم.. إذا تفوه أحدكم بكلمة مهينة لي، فسوف أصفعه على وجهه ولا يهمني ما سيحدث! ثم قلت بلهجة آمرة” والآن..عودوا إلى بيوتكم، كلوا وتحمموا وناموا!

نظروا إلي غاضبين ثم تركوني و عبروا الطريق مسرعين ،ظللت أتابعهم حتى اختفوا في ظلام الشتاء الباّرد.تركوني بعد أن فجروا  بداخلي بركان من الأفكار و المشاعر المتضاربة…مشاعر الشفقة على هذا الشباب الذي أنهى حياته قبل أن يبدأها…

ألا يعلمون أن لهم أشكال كثيرة في كل الدول؟ السلفيين بمصر، طالبان بأفغانستان…و القائمةطويلة لرسل الكراهية و الأنانية بالعالم.

لقد تركوني بعد أن ألقوا جبالا من الحزن والألم بقلبي، فقد رأيت رقتهم و إنسانيتهم ودموعهم.

رأيتهم عارين من قناع الحقد والتطرف.

 ربما أكون حمقاء و لكني أعتبرهم أصدقائي و أتمنى أن أراهم مرة أخرى، فربما ما أحمله لهم من حب قد يذيب بعض مما يحملنه لي و لغيري من كراهيَة.

رانيا رفعت